الأربعاء، 9 فبراير 2011

- قيمة الحقيقة :خلاصة المحور الثالث درس الحقيقة الثانية باكلوريا


عند دراستنا لأطروحة كانط لابد أن نتوقف عند منظوره للحقيقة كقيمة أخلاقية و كواجب مطلق ،و هذا لا يمكن فهمه إلا في إطار نظريته حول الأخلاق بصفة عامة ،ذلك أنه  قال بأن الأخلاق – ومنها قول الحقيقة – ترجع على قانون عام هو : "الواجب"و هو أمر مطلق العقلي و ليس العاطفي الذي   يصدر من داخل الإنسان   و الذي يصرخ داخلك "اعمل كما لو كنت تشرع القانون"
و هذا الربط –أي بين الأخلاق و العقل – هو محاولة حقيقية و قوية لتحرير الأخلاق من سيطرة الكنيسة و سلطتها ،و تحرير للإنسان من منطق الخوف أو الطمع في سلوكه الأخلاقي ،و تلك إحدى تجليات  التنوير الذي دعا غليه ايمانويل كانط.

أما ما يتعلق بنتشه فإن نقده للحقيقة و للأخلاق بصفة عامة ليس دعوة إلى التحلل الأخلاقي كما يقول  يروج البعض بل هو دعوة إلى التحرر من السلطة التي تتدثر بحماية الأخلاق و فرضها فيما الحقيقة أنها تسعى إلى حماية هيمنتها و سطوتها ، كما أنها توجيه نحو دراسة الأخلاق السائدة بحس علمي موضوعي ، يقول الدكتور محمد عابد الجابري في كتابه "قضايا في الفكر المعاصر" ص 66 :لقد نادى نيتشه في أواخر القرن الماضي بما دعاه " اللاأخلاقية " قاصدا بذلك ،لا التحلل من الأخلاق كلية و إتباع الهوى و السقوط في إباحية مطلقة .كلا ،لقد كان قصده من ذلك التأكيد على ضرورة حمل النفس على التحرر من سلطة الأخلاق السائدة ،عند دراسة تاريخ الأخلاق و نقد القيم ،تماما مثلما يفعل العالم الدارس لظاهرة من الظواهر الطبيعية أو الاجتماعية أو النفسية ،إذ يحمل نفسه  على التحرر من تأثير هذه الظاهرة عليه....و تلك هي "الروح الموضوعية" التي أراد نيتشه نقلها من ميدان العلم إلى ميدان الأخلاق..."
لكن لا يمكن فهم هذا الموقف إلا من خلال عصره – أي النصف الثاني من القرن التاسع عشر- الذي شهد نزعة  علموية واضحة و فورة "وضعية" متحكمة  كان أثرها جليا عند نيتشه لذلك دعا إلى تطبيق صرامة المنهج العلمي على الأخلاق .

أما وليم جيمس  ففتح بابا أخر للنظر إلى  الحقيقة لا من زاوية صورتها بل من زاوية فائدتها و نجاحها، وعلى  أنها  توجد في جملة التجربة الإنسانية، لا في الفكر النظري البعيد عن الواقع،و هذا يتماشى مع مذهبه الراغماتي الذي يرى أن :" تصورنا لموضوع هو تصورنا لما قد ينتج عن هذا الموضوع من آثار عملية لا أكثر"